اسماعيل بن محمد القونوي

18

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( وقيل أراد بالقلة العدم ) فإن القلة عدم الكثرة فذكر المقيد أعني عدم الكثرة وأريد مطلق العدم مجازا بعلاقة التقييد والإطلاق مرضه لأنه خلاف الظاهر مع أن الحمل على الحقيقة المتبادرة ممكن كما عرفت على أن إيمانهم ببعض الكتاب متحقق وإن لم يعبأ به والمتبادر من العدم عدم الوقوع رأسا لا عدم الاعتداد به بعد وقوعه ومن ههنا أخبر اللّه تعالى بأنهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض فلا وجه للحمل على العدم مطلقا ولو قيل إن ما ثبت لهم في النظم الجليل الإيمان اللغوي وما نفي هنا الإيمان الشرعي فجوابه أن قوله تعالى : وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ [ النساء : 150 ] يأبى عن الحمل على المعنى اللغوي فتأمل . قوله : ( يعني القرآن ) لا التوراة كما في قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ [ البقرة : 87 ] ومن هذا نكر كتاب هنا « 1 » لعدم كونه معلوما عندهم ويؤيد هذا ما ذكرناه من أن المراد بضمير وَقالُوا قُلُوبُنا [ البقرة : 88 ] أخلافهم الموجودون في زمن الرسول عليه السّلام . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 89 ] وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ ( 89 ) قوله : ( من كتابهم ) ومعنى كون القرآن مصدقا للكتب المقدمة من حيث إنه نازل بحسب ما نعت فيها وغير ذلك مما فصل في قوله تعالى : وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ [ البقرة : 41 ] الآية ومن هذا لم يجعل ما معهم مصدقا للكتاب وإن كان يتبادر أنه أقوى لإلزامهم وتقريعهم بأنهم كفروا به بعدما عرفوا وأيضا القرآن معجز دال بإعجازه على أنه من عند اللّه فإذا طابق ما قبله دل على أنه صدق قال تعالى في سورة المائدة وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ [ المائدة : 48 ] أي القرآن رقيبا على سائر الكتب المحفوظة عن التغيير ويشهد لها بالثبات والصحة . قوله : ( وقرىء بالنصب على الحال من كتاب ( لتخصيصه بالوصف ) ولا يضره كون ذي الحال نكرة لتخصصه بالوصف إذ لولاه لوجب تقديم الحال ولم يجعله حالا من قوله : وقيل أراد بالقلة العدم قال صاحب النهاية القلة تستعمل في نفي أصل الشيء كما جاء في الحديث أنه كان يقل اللغو أي لا يلغو ومنه قول الحماسي قليل التشكي أي عديمه . قوله : يعني القرآن قد اتفق المفسرون على أن المراد بالكتاب هنا القرآن لأن قوله مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ [ البقرة : 89 ] يستلزم أن يكون الكتاب غير ما معهم وما ذاك إلا القرآن وليس المصدق به مما معهم الشرائع والأحكام لأن القرآن نسخ بعضها وإنما المصدق به ما يختص ببعثة محمد صلّى اللّه تعالى عليه وسلم وما يدل عليها من العلامات والصفات . قوله : لتخصيصه بالوصف لما لم يجز وقوع الحال عن النكرة الصرفة بالوصف متأخرة عنها علل وقوع مصدق حالا عن كتاب يكون كتابا مخصصا بالوصف وهو عندي أي كتاب نازل من عندي .

--> ( 1 ) وقيل التنكير للتعظيم وتربية التوصيف بقوله من عند اللّه .